SJ News II - шаблон joomla Авто
تيكرز
عنترة بن شداد..لا تسقني ماء الحياة بذلة

الأستاذ الدكتور رجب إبراهيم

 

لقد كان عنترة ضحية هذا القانون اللإنساني، فجرمه أنه أسود كأمه، أما أبوه فهو عربي أصيل..تلك هي المعادلة الصعبة التي حاول عنترة أن يفك لغزها.. ولاقى ما لاقى لأجل ذلك.فالأمَةُ في قانونهم نوع آخر من الخلق،لا ترقى لهم، فهي سوداء..اجتمع لها ما لم يجتمع لغيرها من دواعي الحقارة والدناءة في نظرهم، لتزداد معها مأساة ولدها في قوم شعارهم:"إنا قوم نبغض أن تلد فينا الإماء".فكيف إذا كانت سوداء؟!لا يستطيع عنترة الفكاك من هذا المصير الذي رآه ماثلا أمام عينيه، وهو لا يزال طفلا، وعُدَّةُ عنترة في مواجهة ذاك المصير نسب مريب، ولون أسود، وعبودية مذلة، وحرية دونها أسوار قوانين القبيلة وعاداتها..إنه باختصارالذل، وإن لبس ثوبا آخر غير هذا.إن المعادلة التي تكتنف موقف عنترة لها بعدان شديدان ..أولهما:إنكار النسب، وجحود البنوة، وثانيهما:أم أَمَةٌ تقبع في درك الطبقية المقيتة المميتة، فهي ليست حرة، ولا حتى سبية، بل هي أمةٌ!فأي ظلال سوداء ألقت بظلامها على عنترة لتزيد حياته سوادا فوق سواد لونه ليمتلأ قلبه حنقا وغيظا على مجتمع فرض عليه إصره، وكبَّله بأغلال العبودية،وإثم اللون. 

لقد حُرم عنترة كرم الخؤولة كما حُرم كرم العمومة، فالخؤولة هي نصفه المظلم المشين، أما العمومة فهي النصف الآخر من جهة أبيه، فقد ظل ضبابيا غير رائق، محاطا بالشك والريبة وإن اعترف به أبوه، فقد ظلت أمه هي نقطة ضعفه، والثغرة التي حاول طيلة عمره سدادها.

واجه عنترة الجميع، وتحداهم، وهدم نظرتهم الدنية لأمه السوداء، ففخر بها، فليس عليها جرم، ولا ذنب في سواد لونها..إذ ليس من الناس من يستطيع أن يختار لونه أو نسبه، فكسر عنترة هذه القاعدة المهينة الصلبة على صخرة فخره بأمه، فقال:

وَأَنا اِبنُ سَوداءِ الجَبينِ كَأَنَّها       ضَبُعٌ تَرَعرَعَ في رُسومِ المَنزِلِ

الساقُ مِنها مِثلُ ساقِ نَعامَةٍ       وَالشَعرُ مِنها مِثلُ حَبِّ الفُلفُلِ

وَالثَغرُ مِن تَحتِ اللِثامِ كَأَنَّهُ       بَرقٌ تَلَألَأَ في الظَلامِ المُسدَلِ

في هذه الأبيات يحاول عنترة أن يضع معياره  الخاص للجمال،هذا المعيار الذي لم يقم على أسس المفاضلة بالوراثة ولا العصبية للجنس أو لون، إنه يرى الجمال مجردا من كل هذا،تلك هي فلسفته، مؤداها:إن الصفات الوراثية والشكلية للإنسان ليست كافية لتكون ميزان حكم،أو معيار قول بجمال المرء، أو قبحه، هو يرى أن أمه لا ينقصها الجمال غير أن عيون القوم اعتادت استساغة نوع من الجمال محدد.أما هو فيتغزل بمزايا الجنس الأسود فهو يراه مدعاة للشرف.إن الأبيات تغص بالمتناقضات فضمور الساق، وجعادة الشعر،أسنانها بيضاء وإتن كانت في وجه أسود، تخرج في حر الشمس، سافرة عن وجهها..كل هذا في عرف القوم ليس مدعاة للتغزل، بل نقيضه هو المحمود..ولا شك أن هذه الأبيات هي صرخات مكتومة رافضة لرأي جماعة لا تزن الناس بميزان الإنسانية،إنها صرخات مرارة وسخط على ذلك العالم الذي جعل بينه وبين الإنسانية بونا شاسعا.

لقد أعلنها منذ البداية ..لن يستذلني أحد:

لا تسقني ماء الحياة بذلة...بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

 ولقد سلك عنترة عدة سبل للبحث عن ذاته منها: الإدراك الواعي لحقيقة موقفه،فقد كان واعيا بحقيقة عبوديته،مدركا لنظرة الناس إليه،لكنه عمل على تغييرها،بل إلى هدمها،واجتثاثها، فقال عن نفسه مقدما صورة متغايرة عما في أذهان المجتمع،دون أن ينفي عن نفسه صفة العبودية، إنه العبد، ولكن ليس كأي عبد:

أَنا العَبدُ الَّذي خُبِّرتَ عَنهُ       يُلاقي في الكَريهَةِ أَلفَ حُرِّ

خُلِقتُ مِنَ الحَديدِ أَشَدُّ قَلباً       فَكَيفَ أَخافُ مِن بيضٍ وَسُمرِ

ويكثر هذا في شعره، يُصدِّر "الأنا" ليغير الواقع والمفاهيم:

أَنا العَبدُ الَّذي خُبِّرتَ عَنهُ       وَقَد عايَنتَني فَدَعِ السَماعا

مَلَأتُ الأَرضَ خَوفاً مِن حُسامي       وَخَصمي لَم يَجِد فيها اِتِّساعا 

إن المواجهة والاعتراف الصريح والمباشر من عنترة بعبوديتة، وفي الوقت ذاته تفرُّد هذه العبودية، وتميزها بالفروسية والشجاعة،التي ،حسب رأيه،تحجب هوان العبودية وذلها، كانت هي الوسيلة الأولى ليجد عنترة ذاته التي يبحث عنها. كما حاول أن تتصالح نفسه مع لونه حيث كان سواد اللون هو التبعة الثقيلة التي أثقلت عاتق العبيد، وأوهنت ظهورهم،لكن عنترةَ حاول الانسجام، والتوافق مع هذا الأمر، الذي لا يستطيع أن ينفك عنه، أو منه،فحاول أن يحيل هذا اللون البغيض إلى قلبه سجية يحسن الفحر بها، فالسواد لون المسك الذي يحرص كثير من البيض،لا سيما السادة منهم،رشه على أجسادهم، فيقول:

لَئِن أَكُ أَسوَداً فَالمِسكُ لَوني       وَما لِسَوادِ جِلدي مِن دَواءِ

وَلَكِن تَبعُدُ الفَحشاءُ عَنّي       كَبُعدِ الأَرضِ عَن جَوِّ السَماءِ

ويقول: سَوادي بَياضٌ حينَ تَبدو شَمائِلي       وَفِعلي عَلى الأَنسابِ يَزهو وَيَفخَرُ

كما اعتمد على الاعتداد بنسب أبيه، وإن تضاءل نسب أمه فالمعلوم أن كفتي نسبه غير متوازنتين، فالأولى تعلو بالثانية، الأولى أب ذو حسب ونسب، والثانية أم ضئيلة النسب قليلة الشأن.لكنه حاول أن يخلط بينهما فيستر أحدهما الآخر.يقول:

إِنّي اِمرُؤٌ مِن خَيرِ عَبسٍ مَنصِباً       شَطرِي وَأَحمي سائِري بِالمُنصُلِ

وَإِذا الكَتيبَةُ أَحجَمَت وَتَلاحَظَت       أُلفيتُ خَيراً مِن مُعَمٍّ مُخوَلِ

وَالخَيلُ تَعلَمُ وَالفَوارِسُ أَنَّني       فَرَّقتُ جَمعَهُمُ بِطَعنَةِ فَيصَلِ( )

هنا يفاخر عنترة بنسب أبيه، وهو كافٍ لمنحه الشرف، والسؤدد أمام قومه، كما أنه لا يتحرج من نسب أمه، وإن كان ضئيلا،فاختلاط نسبه هذا منحه قوة وبسالة،وأنه بهذا النسب لم يتساو مع قومه،بل فاقهم، وزادهم قوة وشجاعة.

لقد حاول عنترة ،رغم تميزه عن غيره من السود، أن يعمد إلى بناء ذلك العالم الخاص به، عالم الجمادات،سيفه، وفرسه، ورمحه، مستعيضا بها عن أولئك الذين لم يقتنعوا بحقه في امتلاك الحرية الإنسانية الكاملة.

Share this article

About author

مدير الموقع

البريد الإلكتروني عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

8 تعليقات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

حكمة اليوم

الطقس

{"error": "Sorry this API is now retired and there is no alternative API that we can support. We greatly appreciated the opportunity to have served you in this space. Thankfully, there are many alternative weather APIs freely available for you to consider. While we cannot formally recommend one over others, we would recommend searching the web for %"free weather APIs%" to see several good options and find the best fit for you. If you have any comments or feedback you’d like to share, please feel free to reach out to us at: weather-ydn-api@verizonmedia.com"}

التقويم

« تموز 2021 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  

التاريخ والوقت الحالي

الأحد، ۲۵ تموز/يوليو ۲۰۲۱
الأحد، ۰۳ مرداد ۱۴۰۰
الأحد، ۱۵ ذو الحجة ۱۴۴۲
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…