SJ News II - шаблон joomla Авто
تيكرز
بائع الجيلاتي

بقلم/ أحمد عيسى

 

قَبْل انسلاخ عَقْد السبعينيات بقليل، ومع مُستهل الثمانينيات، حين كانت تشتد شهور الحرّ الصائفة، كان يعلو صوت "عم سيد" ندياً عقب صلاة العصر إلى ما بعد العِشاء في أرجاء "أبوقتادة" بمحافظة الجيزة: "بتاع الحلو وصل"!

كُنّا صبيةً دون الحُلُم، وكان "عم سيد" خمسينياً، قمحيّ اللون، ذا شارب محفوف، طويل القامة، أحدب الظهر، كنتُ وأقراني نحسب أن ظهره انحنى من كثرة ما يخفضه ويرفعه لينهل من ثلاجة "الجيلاتي" بملعقة معدنِيّة لامعة معقوفة ونظيفة.

كثيرون هم الذين كانوا يجولون بعربات الجيلاتي، يرتدي الواحد منهم جلباباً واسعاً، يبدو الصديري من خلال فتحة الصدر الرحبة، وكانت جلاليبهم ذات فتحات جانبية كبيرة تُفضي إلى ما استبطنوا من ملابس، كشأن معظم بائعي الفواكه والتين الشوكي في مصر كأنهم تواصوا به!

كان معظم بائعي الجيلاتي شُبّاناً من الأرياف والأقاليم القريبة، على حين كان "عم سيد" موظفاً صباحاً، متأنقاً بعشقه لتصنيع وبيع الجيلاتي مساءً، متفنناً في عمله ورصّه وتشكيله، وتطعيمه وتطريزه بجوْز الهند والزبيب.

كُنّا نَحَارُ عند عربته هل نطلب إليه كوباً أم قرطاساً من بسكويت؟ لو طلبنا منه كوباً لكان الجيلاتي أكثر والمبلغ أعلى، ولو أردناه قِرطاساً لاستمتعنا بطعم البسكويت اللذيذ الشهيّ مع كونه أرخص!

كان "عم سيد" غالباً ما يرتدي زي الموظفين: بنطالاً طويلاً زيتيّ اللون وربما كان أسودَ أحياناً، وقميصاً فاتح اللون دائماً، قد شمَّر كُميْه عن ساعديْه، مجففاً عرقه بمنديل قماش يبدو نظيفاً ناصعاً.

كان الرجل أنيقاً في هندامه وعربته وبضاعته، يخال الناظر إليه أنه يخسر في تجارته، فكل شيء يبيعه كان طبيعياً، لبن "الفانليا" خالصٌ صافٍ سائغٌ بعد تجميده للّاعقين، والمانجو تسبق رائحتُها طعمَها، ويطغو جمالُ طعمِها على جلال رائحتِها، والشيوكلاتة مُبهجةُ اللون، رائعةُ الطعم، سائغةُ المذاق تشي عن مكانها وتحدث أخبارها!

أما العربةُ فكانت عروساً في ليلة زفافها، عجلاتها مرتفعة لتناسب طول قائدها، خشبها قوي متوازٍ، منقوش عليه رسوم أطفال، ويعلو العربة مظلة سابغة مُنمّقة، مزيَّلة بدرّاجة للقائد يركبها إن أراد أن يُسرع، ويُزجيها إذا تكاثرت من حوله الزبائن.

كان هناك كشّاف وراديو مُعلقين بالعربة، ينير "عم سيد" الكشاف حين يحل الظلام، أو تنقطع الكهرباء، أو عندما يجوس خلال أحشاء شارعٍ، أو يدلف إلى عطفة وحارة لم يَسْرِ  تيار الكهرباء ووهجُها بعدُ في شريانها.

أما المذياع فكان يستهله بحفلة "أم كلثوم" مع الخامسة عصراً، ثم مع دقّات الثامنة مساءً كان الخشوع والسكينة يتنزلان على العربة ومَن حولها بتلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم.

وفي حوار لـ "عم سيد" الذي كان فيما يبدو متحفظاً كتوماً لحياته الشخصية، فرضه عليه "ألفي" ذلكم الرجل الثَّرثَار، أحد زبائنه من الكبار، الذي كان يحلو له الفضولُ ويطيبُ له إعماله ليلَ نهار..

ألفي: لماذا لا تُؤجّر عربتك صباحاً فتكسب أكثر؟

سيد: العربة جزء من عملي والعَمَل بَصْمةٌ ونَفَس.

العربة مثل زوجة مَصُون لا يلمسها إلا زوج أو مَحْرَم.

ألفي: الصباح وقته طويل للرزق الوفير والمكسب!

سيد: أنا موظف بالصباح.. إن كنت لا تدري أو تعلم.

ألفي: كنتُ أود شراكتك لكن يبدو أنك لستَ ترغب!

سيد: راضٍ أنا بقدري.. موقن برزقي.. بعيداً عن الشِّرْك.

ألفي: لكن كسبك ربحه قليل.. وعائده هيِّن.. جِدّ يسير.

سيد: أنا مؤمن ببركة عائدٍ قليلٍ.. يزداد مع البيع الكثير.

بعد أن ضاق "عم سيد" ذَرْعاً بملاحقة "ألفي"، وإصراره على الشَّراكة معه بأي صورة من الصور؛ ثم بتدخله لمعرفة تفاصيل أكثر عن حياته الشخصية؛ أدار المذياع تخلُّصاً من الثَّرْثَرة، فإذا بـ "أم كلثوم" تشدو:

حيَّرت قلبي معاك.. وأنا بداري واخبي

قُل لي أعمل إيه ويّاك.. ولا أعمل إيه ويّا "ألفي"!

About author

مدير الموقع

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

حكمة اليوم

الطقس

Partly Cloudy

50°F

Austria

Partly Cloudy
Humidity: 86%
Wind: NE at 5.59 K/H
SP_WEATHER_ج
Showers
48°F / 59°F
SP_WEATHER_س
Scattered Thunderstorms
47°F / 58°F
SP_WEATHER_أ
Scattered Thunderstorms
48°F / 59°F
SP_WEATHER_إ
Scattered Showers
46°F / 59°F

التقويم

« مايو 2021 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            

التاريخ والوقت الحالي

الخميس، ۱۳ أيار ۲۰۲۱
الخميس، ۲۳ اردیبهشت ۱۴۰۰
الخميس، ۰۱ شوال ۱۴۴۲
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…