Arabic Dutch English French German Japanese Portuguese
FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedinRSS Feed
< أسعار العملات : دولار أمريكى ** بيع:17.79 شراء 17.69 جنية إسترلينى ** بيع :24.185. شراء:23.885 يورو : بيع 21.291 شراء : 21.036ريال سعودى : بيع :4.743 شراء : 4.716 درهم إماراتى : بيع:4,843 شراء :4.843 دينار كويتى : بيع :58,991شراء :58.644

الخميس, 21 آذار/مارس 2019 16:47

عودة حنظلة

كتبه 

 

دكتور سيد شعبان

 

 يبدو أن الصغار يتعلمون بعد مضي العمر، تلك حكاية أخرى  جاء أوانها، أورثني جدي نبتة صبار أعتني بها؛ لم يخف أن تصاب يدي بشوكها، حين كنت ألهو في الحقل أبعثر حبات الليمون أو أرمي بزهور الرمان الحمراء؛ تأتي الفتيات ليختلسن نظرة إلى حديقتنا؛ أتحايل حتى أرمي واحدة منهن بزهرة برتقال، كثير هو العمر حيث لا عمل غير اللعب.

فطن جدي لكل تلك المداعبات، دبر لي حيلة لما تنتهي بعد، حين تختال الأنثى تفترس زهوة الصبا، على أية حال كلما نازعتني نفسي رغائب خفية، تمزق طريقي إليها، حين غرس شتلة الصبار تلك جوار مدخل الحديقة جهة الطريق الذي يأتين منه، أوصاني أن أروي النبتة مرة كل أسبوع، كنت في البداية أنشغل عنها، يمر شهر وأتناساها؛ فاللهو  كثيرا ما يفترس ذاكرتي؛ تظل صابرة كما اعتادت؛ أليست هي نبتة صبار؟ أترقب قطف الأزهار، أرجو أن تمر الفتيات، حين لا يأتين يصيب الذبول كل الورد، أصاب بحزن، غير أن النبتة لا تذبل كما الأعشاب، تظل واقفة حتى وإن أصاب الموات الأشجار، تقاوم في شجاعة، أسماني حنظلة، حدث أن كنت مثار سخرية الأطفال، أما أمي كثيرا ما تبكي طوال النهار، الجارات يتحاشين أن ينادينها بكنيتها، اهتدوا أن يلقبوها بأم صابر، على كره مني كنت أتثاقل ﻷرويها، لا تعطي زهورا للفتيات العابرات، ذات أشواك تحتمي بها من لهو المارين أو أولئك المتسللين في غفلة منا، أوراقها تطول وترتفع طبقة فوق أخرى.

يجلسني جدي حارسا لها، أخبرني أن الأفعى الماكرة تحذر أن  تقترب منها.

مضى زمن وارتحل جدي إلى العالم الآخر لكنني لم أنس يوما حلمه بأن يروي حفيده نبتة الصبار، كلما اقتربت امرأة مزقت الصبارة ثوبها، تتألم لكنها تغادر مسرعة، يبدو وجهها جميلا، أهفو إلى قدومها، لا أجد في غير الربيع زهرة ﻷقدمها لها.

احترت في نبتة الصبار؛ لا تخرج زهورا، لا تعبق برائحة يتراقص النحل فوقها.

لولا أن جدي أوصاني بها لاقتلعتها، تتحاشى العنزات أوراقها، أخذت تنمو حتى شارفت بوابة الحديقة الخشبية، حين جاء الخريف بدأت تخرج ساقا طويلة، في يوم صحوت وقد هالني أن لها زهرة صفراء!

مرت الفتاة كما اعتادت، أسرعت وناديتها، تقف أمي في شرفة الطابق العلوي، حاولت قطف الزهرة،أصابت أوراقها المدببة كإبرة صدئة يدي، نزف دم منها، ابتعدت عنها، صاحت أمي: لا تفرط الصبارة بولدها!

مضت أيام من ورائها سنوات، في بلادنا تنسي المصائب بعضها بعضا، حتى إذا ما جاء صوت المذياع هادرا : عائدون!

تذكرت لم أوصاني جدي بنبتة الصبار!

تقال عني ألف وشاية: حنظلة في البلاط الملكي يرفل في ثياب من حرير، جملة سمعتها من ذلك البوق الذي يطول وجهنا أذاه كل ليلة، تساءلت: أين يختفي ذلك المشرد؟ أخيرا عرفت أنه في بناية صخرية غرفها اثنتان وعشرون موصدة بأبواب أحكمت أقفالها!

كل البلاد منافي للذين غضب عليهم الأسياد، تهب ريح عاصف، تدوي أبواق من بعدها موجات أثير تزين الغواية في بحر من الأكاذيب، ثيابي مهترئة لا أحد يتصدق على المغضوب عليهم بكسرة خبز ناهيك عن محبرة وورقة، أذاعوا في التلفاز ألا عودة لحنظلة ومن كان به أشبه.

تكبر شجيرة الصبار، يبلغ العلقم حدا لا يحتمل، يزينون لي أن الصبر دواء، أتعاطاه مكرها، تتقرح أمعائي، تسيل كما القيح دمائي، تسكن الأفاعي جسدي، ويعللونني بأن زمن العودة آت!

فوق كتب المدرسة أسماء لفرسان قطف الموت بمنجله حبات قلوبهم، تتشح نسوة في المدينة بثياب الحداد، وما يزال المذياع يهدر: عائدون.

أدركت بعدما تسربل العمر في أردية العجز كم كان جدي حكيما؛ صبارة عند مدخل الحديقة التي أصابها العجز؛ فالنهر مطارد كما البشر في تلك البناية الصخرية ذات الاثنين والعشرين غرفة، بينها بحار الرمال العظيمة وأشواك وأهوال تتربص بالناجين من سطوة القهر؛ وإلا فللأسماك والحيتان مطعم وفير من لحم وإن كان مرا كحنظلة!

تماهيت مع اسمي، حيث يرتبط المرء بآلامه ويتوسد أحزانه، كأنما وردة الصبار صوت مالك الحزين وتغريبة اليمام في أقبية من ورائها حوائط صد قاهرة.

تنادي علي تلك التي أحببتها يوما، تطالع في كراستها صورة وجهي، يعجبها رسمي ترسل إلي بغلاف تزينه حمامة كسيرة الجناح، تردف بعنوان لم يهتد أحد إلى مكانه: إلى ناجي العلي الذي أنجب يوما حنظلة مكرها، إلى ريشته ومحبرته حين تحملك أيادي أطفال الوطن بين حنايا قلوبها!

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn
آخر تعديل على الخميس, 21 آذار/مارس 2019 16:50

وسائط

المزيد من الاخبار

الجمعة, ۱۹ نيسان/أبريل ۲۰۱۹
الجمعة, ۱۳ شعبان ۱۴۴۰