Arabic Dutch English French German Japanese Portuguese
FacebookTwitterDiggGoogle BookmarksLinkedinRSS Feed
< أسعار العملات : دولار أمريكى ** بيع:17.79 شراء 17.69 جنية إسترلينى ** بيع :24.185. شراء:23.885 يورو : بيع 21.291 شراء : 21.036ريال سعودى : بيع :4.743 شراء : 4.716 درهم إماراتى : بيع:4,843 شراء :4.843 دينار كويتى : بيع :58,991شراء :58.644

الأحد, 05 آب/أغسطس 2018 06:03

على أبواب مكة

كتبه 

 

كانت السيارة تسرع على الطريق الواصل بين جدة وبلد الله الحرام

.. عندما استقبلتنا لافتة كبيرة تشير إلى أننا اجتزنا في تلك اللحظات حدود سيدة الحواضر وأم القرى "مكة".. أرسلتُ ناظريَّ بعيداً أحاول أن أرقب الهضاب والحجارة التي تشرف على الطريق.. وكأنني أبحث عن شيء بين الحصى وحبات الرمال التي تعكس وهج الشمس.. هنا وُلد الهادي البشير خاتم المرسلين.. هنا شب الرسول الكريم فوق تلك الأرض الطاهرة المباركة.. هنا جاءه جبريل وأنزل عليه أول آيات القرآن العظيم.. "اقرأ بِسمِ رَبِّكَ الذي خَلَق".. 

تسارعت دقات قلبي حين رأيت الكعبة المشرفة للمرة الأولى.. خفتت الأصوات وسكتت عن أذنيَّ وغمرني السلام أخيراً، وكأني مشدودٌ إليها بخيوطٍ من نور.. بدت مثل حلم من بعيد، كلما كنت اقترب كانت خطواتي تتثاقل من هيبة المشهد العظيم.. سبقتني روحي إليها قبل أن أعانقها وأغسل بدموعي كل أحزان وجراحات السنين.. ها أنا ذا واقف قبالتها.. وكأنني عدت أخيراً إلى وطنٍ يعود الناس إليه من كل البلاد والأوطان.. نخلعُ أسمالاً من الذنوب والآثام.. ومن كل آمال الحياة وما بها من نعيمٍ وشقاءٍ وأفراحٍ وأتراحٍ نَفِرُّ إلى الله.. في النهاية أسلمت نفسي لتيارٍ جارفٍ من دعاء الطائفين.

هنا سلَّم إبراهيم عليه السلام لله وأطاعه حين أمره أن يترك زوجته هاجر وابنه الوحيد "إسماعيل"  في صحراء قاحلة، فطاعة الله كانت أحب إليه من أهله وولده الرضيع.. نفد الماء والطعام من هاجر، ولم يتحمل قلبها الحاني أن ترى رضيعها يهلك أمام عينيها.. راحت تهرول لتصعد جبل الصفا علها تجد من يغيثها، ثم تعود لتهبط وقد أعياها الجوع والعطش، لتهرول مرة أخرى صاعدة إلى "المروة" فزعة ترسل بصرها الحائر لعلها تجد أحداً من الناس.. وهنا تجلت واحدة من أعظم صور الأمومة وأرقها حين سعت هاجر مهرولة بين الجبلين سبعة أشواط تبحث عن النجاة لرضيعها لتنقذه، غير مبالية بنفسها أو بالحياة.. ولم يكن هناك مغيث إلا الله.. تفجر ماء زمزم تحت أقدام "إسماعيل"، وأراد الله لهما الحياة، لذا فنحن نسعى بين الصفا والمروة عند الحج والعمرة اقتداء بسعي السيدة هاجر "أم إسماعيل"، وتذكيراً برحمة الله وغوثه للمستغيثين.

مرت سنوات وأراد الله أن يبتلى خليله إبراهيم بأعظم ابتلاء يمكن أن يتحمله قلب والد، حين أمره أن يذبح ابنه الذي لم يكن أنجب سواه، وهو يومئذٍ شيخ كبير جاوز الثمانين لا يرجو أن ينجب ولداً آخر.. لكنه حبيب الله وخليله، فلم يكن شيء أحب إليه من ربه الذي هداه وأرسله واصطفاه ونجاه من النار.. طاعة الله المنعم والتسليم له ولحكمه، كانت أحب إلى إبراهيم من أعظم النِّعم، نعمة الولد.. وطاعة الابن لأبيه فاقت كل حدٍ حين أقبل إسماعيل "عليه السلام" مضحياً بحياته تسليماً لأمر الله وإيماناً به وطاعة له ولأبيه، فقال: "يَا أَبَتي افعَل ما تُؤمَر سَتَجِدُني إن شاءَ الله من الصَّابرين".. لكن رب السماء فدى إسماعيل بكبشٍ عظيم، وفرض الأضحية إحياءً لذكرى فداء ذبيح الله إسماعيل عليه السلام.

مرت الأيام مسرعة، وبللت الدموع في عيني صورة البيت العتيق، بعد أن طفت به مودعاً ومضيت محزوناً لفراقه.. غير بعيدة رأيتها تنسحب هي الأخرى مودعة للبيت، وكلما سارت خطوات مبتعدة عنها كانت تلتفت وتشير إليها محييةً، ثم تدبر في طريقها فلا تلبث أن تلتفت مرةً أخرى لترمق الكعبة بعيونٍ دامعة وتشيرُ لها مودعةً وكأنها تناجيها وتشكو إليها وإلى الله لوعة الفراق.. تُرى، هل تركت قلبها أيضاً معلقٌ بأستارِ البيت؟.. في المساء عدت إلى الطريق نفسه، هذه المرة مفارقاً مكة.. غريبٌ أنني قدِمتُ إليها في فرحة الصبح وأنفاسه البهيجة، بينما أغادرها الآن حاملاً معي شيء من أسى الليل وأحزانه وزفراته.. هذه المرة اختفت ملامح الطريق، فلم أعد ألمحُ غير مصابيح السيارات تُومض فتشق عتمة الليل.. أغمضت عينيَّ وأحسست أنه قد وقع في قلبي شيء لن ينمحي منه أبداً.

محمد فاروق

 

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

وسائط

الجمعة, ۲۰ أيلول/سبتمبر ۲۰۱۹
الجمعة, ۲۰ محرّم ۱۴۴۱