فقـه الأصول وأصول الفقـه

فقـه الأصول  وأصول الفقـه

المؤسسون للفقه الإسلامى صنعوا لنا تراثا عظيما

 أسهم فى نقل الفكر

الإسلامى للأجيال التالية

، لكن المحقق فى هذا التراث يجده مختلطا بالتراث العربى ، وهذا الأمر يبدو

طبيعيا إن كان

الحديث متعلقا بالتسلسل التاريخى للأحداث أو الأثر الاجتماعى للفقه الإسلامى

، أما فى مجال

التشريع فيبدو الأمر محتاجا لوقفة ، فكثيرا ما تحدثنا عن الفارق بين العقلية العربية والعقلية

الإسلامية  ، وأن الإسلام نزل بين العرب ليس لأنهم أذكى الشعوب ، ولكن لأنهم على العكس من

ذلك أصحاب عقول متحجرة ، منغلقة على نفسها ، غير مستجيبة على الإطلاق لكل ما هو من

خارجها ، وهذا هو الطابع البدوى ، وهذا هو ما أكدته الأحداث الجارية من ثورات عربية

وتحجر فى عقول القيادات العربية ، ومن والاها ، والتى عاشت ولا زالت بطابع البداوة التى ينفر

من كل جديد ، وضربنا مثلا لذلك فى القديم كما هو فى الحديث ، ففى القديم لنا أن نتصور كما

قلنا من قبل لو أن الإسلام نزل فى غير أرض العرب ، ونزل فيما سواها من أرض

مصر أو

أرض فارس أو الروم ، لم يكن عندها داخلا لها من قريب ولا من بعيد ، فتلك حكمة نزوله فى

هذه الأرض ، فاليهودية ظلت فى مجموعة محددة منغلقة ينفر منها العرب ، والمسيحية وصلت

حتى اليمن والحبشة واستقرت في الأخيرة وصار النجاشى من أتباعها دون أن تؤثر فى العرب

وذلك لأن المسيح ليس عربيا ، ولو بعث النبى صلى الله عليه وسلم خارج أرض العرب لم يكن

الإسلام بمستقر بها ، فهذا من رحمة الله عز وجل بنا ، فهو سبحانه وتعالى أعلم

بمن خلق .

إن الشأن فى العقلية العربية هو شأن متعلق بالبداوة وما تعنيه من عادات وتقاليد

تتناسب والطابع

البدوى ، ومن تلك المسائل الحساسة التى نتناولها كثيرا موقف المرأة ، فالكل يتحدث عما للمرأة

من مكانة فى الإسلام ولكن المدقق والمقارن اليوم بين حال المرأة فى الغرب وحالها اليوم عندنا

كدول إسلامية ، يجد فارقا شاسعا بين حالها فى الجانبين ، فهى هناك ذات منزلة

ومكانة فى كل

الشئون بل وتنطق المساواة لها فى كل مواقف ، أما هنا فلا شخصية ولا مكانة ولا

حقوق ، ولا

مساواة ، كل ما هنالك شعارات وخطب رنانة وكلمات جوفاء لا ظل لها على الواقع

، والأمر

 أوضح مما نمثل له .

إذن هل الإسلام ظلم المرأة ؟  الجواب إن الإسلام أنصف المرأة وأعطاها حقوقا

أكثر مما أعطاها

الغرب ، لكن العرب عادوا وسلبوا منها تلك الحقوق تارة أخرى ، ونضرب مثالا لذلك

هو ذكر

 اسم المراة ؛ فالعرب لليوم تعتبر ذكر اسم المرأة مشكلة تسبب الحساسية

وربما الإنكار على من

 يستخدمه ، كل ذلك لمجرد ذكر الاسم ، والقرآن عالج تلك المعضلة وتفهما مع

تلك العقلية

المنغلقة ، فلم يذكر القرآن أيا من أسماء النساء العربية لأن مجرد ذكر هذا الاسم

قد يسبب حروبا

ومعارك لا تقف وربما تعرض القرآن نفسه والرسول صلى الله عليه وسلم لخطر ، فامتنع عن

ذكر اسم امرأة أبى لهب ( وامرأته حمالة الحطب ) ، أوغيرها كما فى قوله عز وجل ( أمسك

عليك زوجك واتق الله ) أوقوله عز وجل ( وامرأة مؤمنة ) ولم يذكر أيا من أسماء

زوجات

وبنات النبى صلى الله عليه وسلم تجنبا للاصطدام مع هذه العقلية العربية ، وقد

يقال إن القرآن

اعترف بهذا المعنى ، وهذا ليس بصحيح ، والدليل أنه بدأ بتدريبهم على أن هذا المعنى خاطئ ،

وأن ذكر اسم المرأة ليس به ما يعيب ، بل من الممكن أن يكون مصدرا للفخر ،

فجعل من مريم

 

 نموذجا لهذا الفهم الحديث الذى يريده الشارع . ونادى المسيح عليه السلام

باسم أمه ، تأكيدا

لكرامتهما معا ، وسمى سورة كاملة باسمها للتساوى مع سور بأسماء يوسف ،

ونوح ، وهود ،

وغيرهم ، صلى الله عليهم وسلم أجمعين .

نعود للعقلية العربية والخلط الذى حدث بينها وبين العقلية الإسلامية ، فبعد

النهضة التى صنعها

 

 

الإسلام بالعقول ، وما أحدثه من تطور يليق بالدين الذى أرسله الله عز وجل ليس

للعرب وحدهم

ولكن للعالمين كافة ، وحتى تقوم الساعة ، وما راعاه الذكر الحكيم والشارع

سبحانه وتعالى من

 تدرج فى التغيير والتطوير للعقل الراهن وقت نزول الوحى بحيث لا يحدث الاصطدام البيئى

الذى يتغير بتغير الزمن والأحوال ، بعد كل هذا والذى نجح نجاحا باهرا فى سنين

الخلافة

الراشدة ، بدأ عصر التدوين الذى أعاد العادات العربية البدوية بما لها من طبائع

بيئية غير مدرك

البعد الزمنى للدين والذى يجب أن يفرق بين البيئة والدين الذى جاء للعامة فى كل زمان ومكان ،

ولا نقول إن المؤسسين للفقه والمدونين له لم يكونوا على علم بهذا الفارق ،

ولكن منهم من ظن

أن نزول الوحى فى البيئة العربية هو بمثابة تصريح للأخذ بكل ما وجدوه أمامهم

على اعتبار أنها

اختيار إلهى ، ومنهم من آثر إبقاء الوضع على ماهو عليه حتى لا يحدث التصادم مع القاعدة

العربية ، وهو مبدأ حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم ، تارة عندما ذكر أن العصبية القبلية

منتنة ، وأخرى عندما كان يرغب فى إعادة بناء الكعبة على ماكانت عليه زمن

إبراهيم عليه

السلام ، غير أن عهد النبى عليه السلام كان حديث عهد بالإسلام كما ورد عند فتح مكة ، وما

 

استمر بعد إعادة بناء عبد الله بن الزبير بن العوام للكعبة على نظامها القديم ، ثم

العودة لما كان

 عليه فى عهد النبى عليه السلام على يد الحجاج بن يوسف ، وقد تكون ثمة

أسباب أخر وراء هذه

العودة للأصول العربية ، وما اختلط منها مع العقلية الإسلامية ، منها على سبيل

المثال طبيعة

الكاتب نفسه وميله الشخصى والبيئي لهذا المجتمع ، لكن الثابت أمامنا أن هناك

من كان مدركا

لذلك  ، فالإمام مالك رفض نسخ الموطأ وتوزيعه على الأمصار لفهمه حقيقة البعد

البيئى الذى لا

يجب أن يفرض على الناس فى كل مكان وزمان . نعود لهذا الخلط حيث غلب

الفهم الأسبق على

أن الاختيار للبيئة العربية هو اختيار إلهى ، دون النظر للإعتبار الأهم ، وهو عمومية الإسلام

لكل بيئة ، فالإعتبار للبيئة يغلب على ما سواه .

إن اختيار البيئة العربية مكان لنزول الوحى له سبب آخر كما ذكرنا ؛ هذا السبب

رجحه ابن

خلدون ، ولكن بعد مرحلة التدوين بفترة طويلة ، غير أن المتتبع للملاحظات

الفقهية التى تؤكد

فهم الأولين المؤسسين لإدراكهم هذه الحقيقة سيجد ما يكفى لإثبات ما ذهبنا

إليه .

ولعل ملاحظة أخرى جديرة بالذكر فى هذا المقام ، وهى تأكيد الرسول صلى الله

عليه وسلم على

تدوين النص القرآنى وتكوينه طبقة من كتبة الوحى ، رغم ما هو معلوم عن إعتماد العرب على

 

 

الحفظ للنصوص ، وفى المقابل نهية عن تدوين الأحاديث الشريفة وهذا النهج ظل

 

باقيا فى عهد

الخلافة الراشدة التى راحت تؤكد التدوين الكتابى للنص الإلهى ، متجنبة تدوين ما

سواها من

نصوص وردت على لسان الرسول العظيم ، مما يؤكد أن نفس الفهم الصحيح

للفارق بين النصين

كان مستمرا كما كان فى عهد النبوة ، مثلما كان فى عهد الخلافة الراشدة ،

حتى جاء عصر

تدوين كل شيء من نصوص دينية وغير دينية ، أقول إن فارق التدوين فى عصر

النبوة والخلافة

الراشدة بين النصين هو أول لبنات التأكيد على الفارق الذى نرجحه بين الفصل بين العقلية

الإسلامية والعقلية العربية ، ليس معنى ذلك أن الفارق بين النصين هو فارق بين العقليتين ، ولكن

المعنى أن النص القرآنى باعتباره نصا معجزا هو بطبيعته الإعجازية صالح لكل زمان ومكان ،

فتدوينه ليس للعرب وحدهم ولا للبيئة العربية وحدها ، ولكنه للناس كافة ، أما الحديث الشريف

والذى سمح الفقهاء بروايته بالمعنى وهذا سماح للتدخل البيئى فيه ، فهو يختص بالأحداث الراهنة

والتى منها ما نسخ ومنها ما تغير ومنها ما يختص بأحداث مرتبطة بالبيئة والزمن التى وقعت فيه

، إذا استثنينا ما يرتبط بالنص القرآنى تفسيرا وتكميلا وتوضيحا وتعليقا وشرحا ، وهذا أيضا

ثابت فى الفقه ، حيث جُعل القرآن الأصل الأول للحكم ، فإن لم يوجد به  بطريقة مباشرة بحثنا

عما يفسره من الحديث الشريف .

إن الموضوع ليس أمر مطروحا للمعارضة والشد والجذب بقدر ما هو مطروح لإعادة النظر فى

كل المفاهيم واستخلاص ماهو إسلامى ، وما هو عربى ، فالإسلامى هو الذى يحكم عليه بالحل

والحرمة والفعل والترك ، أما العربى فهو من باب الآداب العامة التى تتغير من بيئة لأخرى ،

وما يصلح لوقت قد لا يصلح لوقت آخر ، وما يصلح لمكان قد لا يصلح لمكان آخر ،، ولا مشاحة

فى ذلك .

 

والله من وراء القصد

بقلم

أنور محمد أنور

كتب بتاريخ

20-8-2011

الساعة

3:17:03

شارك الموضوع مع اصدقائك

Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn